علي بن أحمد المهائمي

142

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفصّ النوحي فص حكمة سبوحية « 1 » في كلمة نوحية أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بتنزيه الأسماء ، والصفات الإلهية عن النقائص الإمكانية ، ظهر ذلك العلم بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى نوح عليه السّلام لغلبة التنزيه في دعوته لقومه ؛ لغلبة التشبيه عليهم حتى اعتقدوا في الأسماء الإلهية أنها أجسام فاتخذوا الأصنام صورا لها يعبدونها فوجب أن يدعوهم إلى التنزيه المحض في بعض الأحيان ، وإن كان اعتقاده التنزيه ، لم يكن بحيث يمنع من ظهوره في المظاهر ، أو من إثبات الصفات الوجودية التي بها مناسبته للخلق لكنه لم يتعرض لذلك في دعوته في بعض الأحيان خوفا من استقرار التشبيه عليهم ؛ لغلبته فيهم لكنه قد دعاهم أيضا حينا إلى التشبيه المحض في الظاهر ليجذبهم إلى إجابته بما يناسبهم . [ اعلم أنّ التّنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التّحديد والتّقييد ؛ فالمنزّه إمّا جاهل وإمّا صاحب سوء أدب ، ولكن إذا أطلقاه وقالا به ، فالقائل بالشّرائع المؤمن إذا نزّه ووقف عند التّنزيه ولم ير غير ذلك فقد أساء الأدب وأكذب الحقّ والرّسل صلوات اللّه عليهم وهو لا يشعر ، ويتخيّل أنّه في الحاصل وهو في الفائت وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض ، ولا سيّما وقد علم أنّ ألسنة الشّرائع الإلهيّة إذا نطقت في الحقّ تعالى بما نطقت به إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأوّل ، وعلى الخصوص على كلّ مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللّفظ بأيّ لسان كان في وضع ذلك اللّسان ؛ فإنّ للحقّ في كلّ خلق ظهورا خاصا ، فهو الظاهر في كلّ مفهوم ] . ( اعلم أن التنزيه ) أي : المطلق المانع من ظهور الحق في المظاهر ، ومن إثبات الصفات الوجودية له ( عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي ) قيد بذلك ؛ لأنهم قائلون بمطلق التنزيه في الذات من حيث هي ( عين التحديد ) له بتناهي ظهوره ، وهو أنه ظاهر لذاته في ذاته لا غير ، وعين ( التقييد ) له بوجوه المباينة مع الخلق مع امتناع ذلك في شأنه بالإجماع ، أما عندنا فلوجوب ظهوره في المظاهر ، وأما عند المتكلمين ؛ فلأنه يستدل عليه بخلقه ، ولا بدّ من مناسبة الدليل للمدلول ، وأما عند الحكماء فلابدّ من مناسبة الفاعل للمنفعل ، فلا ينبغي أن يبالغ فيه بحيث ينفي عنه التشبيه الموجب لظهوره في المظاهر ، أو للصفات الوجودية له لدلالة النصوص على ذلك كآية النور ، وكقوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ

--> ( 1 ) السبوح : بمعنى المسبح اسم مفعول كالمقدس ، ومعناه المنزه عن كل نقص وآفة .